| ► | سبتمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | ||

منى الشيمي
روائية وقاصة مصرية
فازت بالعديد من الجوائز المصرية والعربية، منها ، جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة ، عام 2003.
جائزة نادي القصة المصري.
جائزة دبي الثقافية عن مجموعة من خرم إبرة،
وجائزة الشارقة عن مجموعة وإذا انهمر الضوء.
شاركت في العديد من المؤتمرات المصرية ،
مؤتمر أدباء مصر بسوهاج عام 2006،
مؤتمر أدباء مصر بالغردقة عام 2007.
مؤتمر مئوية جامعة القاهرة 2008،
مؤتمر الرواية العربية 2008
ملتقي العريش للإبداع 2008.
والورشة الإبداعية بالشارقة إبريل 2008
مؤتمر أدباء مصر في مرسى مطروح - ديسمبر 2008
نشرت في العديد من الجرائد والمجلات المصرية والعربية والعالمية،
أهمها أخبار الأدب والثقافة الجديدة،
مجلة الجوبة بالسعودية
ومجلة الكلمة( إلكترونية ) الصادرة من لندن
والعرب العالمية ( ورقية )الصادرة من لندن.
صدر لها ثلاث روايات : لون هارب من قوس قزح.
الأراولا.
الكفة الراجحة.
مجموعة قصصية : وإذا انهمر الضوء؛
ضمن مطبوعات دائرة الشارقة للثقافة والإعلام.
من خرم إبرة. الهيئة العامة للكتاب، مصر

وإذا انهمرالضوء
دائرة الشارقة للثقافة والإعلام
لون هارب من قوس قزح
رواية صادرة عن المجلس الأعلى للثقافة
![]()
الأروالا
الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة إبداعات

سلسلة الكتاب الفضي ، نادي القصة المصري

من خرم إبرة
الهيئة العامة لقصور الثقافة
كان واقفا بجلبابه الرمادي في مواجهة شجرة المانجا بالتمام. تحيطه هالة ضوء. أهو القدر الذي يرتب دوما مصادفاته وفق مقاييس يجهلها البشر؟ طلبت منه هذه الظهيرة أن أرافقه. نظر ناحيتى وأعلن موافقته فورا وبدون نقاش، وهو دائما ينفر من اصطحابي معه إلى هذه الرقعة المكشوفة من أرضه، ولم يوافق سوى مرة واحدة في أول زواجنا كنوع من اكتمال التعارف، ارتديت الملابس الملائمة للمكان، بنطال وتنورة خضراء خفيفة. قاد سيارته باتجاه الأرض المزروعة خارج المدينة الصغيرة التي اخترناها لسكنانا منذ سنوات. اختلط هدير السيارة بصوت اندفاع ريح مارس المحايدة، من الحيز الضيق الذي تركته مفتوحا من زجاج السيارة. لاحقت نظراتي الإسفلت وهو يُطوى تحت عجل السيارة الأمامي. تعبر الأشجار سريعة، تصافح عيوننا ولا تستقر، ونخيل في البعيد على مدد الشوف. النيل ساجر والجبل يحده من ناحية الشرق، بهرني اتساق الألوان، الجبل الأصفر يبث الهدوء في نفسي والزرقة تبعث على الطمأنينة، وهواء الربيع مركب مفرودة شراعه صوب الحلم.
دخل ببدلة لا تلائمه تماما، على الرغم من كونها أنيقة جدا، وعلى مقاسه بالضبط، ثمة شعور لازمني طول فترة بقائه أمامي، إنه استعار هذه البدلة من صديق، واستعار من نفس الصديق طريقة كلامه وبعض عبارات بلغة أهل المدينة. قال إنه خريج الجامعة الأمريكية، وتحدث عن نظام (السيمستر)، عن الدراسة بالساعة وعن المكتبة المنظمة حد المباغتة. عن معلمه الأمريكي عندما ينطق حرف الحاء، وعن شغفه بالتقاليع، وطوال فترة حديثه كنت أشعر كما لو كان يتحدث عن صديق حميم له، نسي أجندة يومياته معه، وربما اطلع على تفاصيل حياته لالتصاقه به فترة طويلة، واستخدم قارورة عطره وربطة عنقه، أما أن يكون هو صاحب الشخصية المحكي عنها فهذا ما لم أقتنع به أبدا.
مع أني لست شوفينية، إلا أنني أود أن أكون كذلك..
في مقال نشر في جريدة أوان، هاجمت فيه الصحفية صغيرة السن منى كريم مصر لأن إدارة جائزة نوبل أوكلت لها مهمة الترشيح لنيل جائزة نوبل في المنطقة العربية، ووفقاً لما جاء في تصريح الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب المصري، فإن مصر تنوي ترشيح اسمين؛ اسما مصريا واسما عربيا لنيل الجائزة، وقد استهجنت الكاتبة إسناد هذا الدور لاتحاد كتاب مصر وأنكرت موقف مصر الريادي في المنطقة العربية والعالم، قائلة :
” المتوقع أن تندم مؤسسة جائزة نوبل على اعتماد مؤسسة حكومية لا تملك وجهاً واضحاً في الدفاع عن حرية التعبير وحماية الكتاب وتفعيل المشهد الثقافي لا في مصر ولا في العالم العربي، إلا أن الحديث يجب أن يكون حول ما قاله سلماوي في أنهم سيرشحون اسما عربياً وآخر مصريا. ما تريده جائزة نوبل من اتحاد كتاب مصر أمر غير محدد من خلال الخبر، فهل تسمح لهم بترشيح أي اسم باختلاف الجنسيات، أسماء عربية، أم أسماء مصرية؟ لكن لو اعتبرنا أن الثقافة المصرية متمثلة بسلماوي تجد نفسها نافذة للأدب والثقافة في العالم العربي، وبالتالي ترشح اسماً عربياً لجائزة نوبل، فلم تعتقد أن مصر لوحدها تستحق ترشيحاً سنوياً أمام الدول العربية الأخرى! .”
و كاتبة المقال هاجمت سلماوي ومصر، وتناست أن إدارة جائزة نوبل هي من قام باختيار مصر دون الدول العربية لاختيار من سيتم ترشيحه لهذه الجائزة، وكان من الأولى أن تسأل: لماذا تم ترشيح مصر دون سواها لهذه المهمة الصعبة؟
في اعتقادي أن ترشيح مصر لهذه المهمة يعود إلى مكانتها وموقفها تجاه كثير من الأمور، فمصر هي قلب الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وبنظرة خاطفة إلى الجغرافيا نجدها تتواجد في القارتين الإفريقية والآسيوية التي يتوزع بينهما العالم العربي، فسيناء تقع في أرض آسيوية وباقي مصر يقع في أرض أفريقية، وهو ما لا تتمتع به أي دولة عربية أخرى، والأهم من ذلك أن مصر قادت طلائع الحركة الثقافية في العالم العربي ، وهذا أمر لا ينكره أحد، كما أن أول جائزة نوبل في الآداب كانت من نصيب مصر، وأول بوكر عربية حازت عليها مصر، بل إن مصر احتكرت البوكر على مدار عامين كاملين، وأعتقد أن مصر ستحصل عليها في أغلب دوراتها القادمة، ليس لشيء سوى لأن الأدب لا يزال في مصر صناعة لها قوامهما مثله مثل غيره من الفنون والنشاطات الثقافية.
صحيح أن كل دولة تمر بفترات من الصعود والهبوط، وصحيح أن مصر تتعثر بمشكلاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الآونة الأخيرة، إلا أن فترات الانهيار لا تعني أن مصر توقفت عن إنتاج أدب عظيم، وأنها أصبحت غير قادرة على مواكبة التحولات من حولها، بل إن هذه الفترات العصيبة هي بذاتها أصبحت مادة خام تغذي النتاجات الثقافية والأدبية بصفة خاصة، لأن الأدب في كثير من الأحيان ما هو إلا استثمار للواقع..
ثم إن الإبداع لا يقاس بحجم ثروات الدول الاقتصادية، وإلا لكانت الدول الإسكندنافية رائدة الإ
في قصص ” وإذا انهمر الضوء ..” لمنى الشيمى
http://boukerchmohamed.unblog.fr/2009/06/03/158-49/
د. ممدوح فراج النابي
ناقد أدبي وباحث أكاديمي
يسيطر الواقع بكل إشكالياته، وتعقيداته على شخوص هذه المجموعة ، فنرى الواقع الخشن يجثم على الشخصيات ، ويكاد يعصف بها ، ومن ثم تصاب الذات بالقهر والحيرة ، والاضطراب والقلق وقد يصل مداها إلى إصابتها بالارتباك الذي يقودها إلى العجز عن التواصل، سواء مع هذا الواقع، فتضطر إزاء هذا العجز إلى الهروب عبر نافذة الأحلام كمتنفس لها، بعدما ضاقت بفعل الواقع المهين، أو العجز عن التواصل مع الآخرين، فتقع الذات في فوضى الأسئلة المربكة والمحيِّرة، ومن ثم تصبح الذات إزاء هذا العجز، غير قادرة حتى على الإدراك، مجرد إدراك حدوث الفعل، كما سوف يتضح في قصة ( المفتاح ).
تتوغل الساردة داخل أعماق الذات الإنسانية، عاكسة ما تعانيه هذه الذات، من عذابات وآلام فرضها عليها واقع خشن يصل بالذات إلى الحرمان والشعور بالفقد كما في قصة ( عند حافة الدفء ) وتارة أخرى نظرة المجتمع المريبة للعاجزة ، كما في ( على وتر مشدود )، وتارة ثالثة واقع عصرنا المعقد كما في قصتي ( تمزق، المفتاح ) .
*****
المراوحة بين الواقع والحُلم هي التيمة الأساسية التي تنهض عليها قصص المجموعة التي تتكون من اثنتي عشرة قصة هي ( وإذا الضوء انهمر، على وتر مشدود ، تمزق ، عن الدبساء قالوا ، صليل الأساور ، ليس قبل اكتمال الحلم ، عند حافة الدفء ، من علمك الأسماء كلها ، المفتاح ، في منتصف النهار ، من خرم إبرة ، الاحتشاد للحظة صدق ).
وقد تبدو المراوحة سمة أساسية في قصص المجموعة ، حيث المراوحة – أيضًا – في استخدام الضمائر ، فالسرد يتراوح بين السرد بالأنا ( الذي يشغل الغالبية العظمى للقصص ، ثماني قصص)، والسرد بضمير الغائب ( أربع قصص هى ” وإذا انهمر الضوء ، وعن الدبساء قالوا ، و صليل الأساور ، وأخيرًا ليس قبل اكتمال الحلم ..”)
واتكاء السارد على الضمير الأنا في صيغة المفرد ، وليس الجمع إشارة بالغة ، لهشاشة العالم الإنساني ، الذي يرصده حيث يريد الاقتراب من الداخل لرصد أدق التفاصيل ، وأثر الواقع في كشف هذه الهشاشة التي أصابت الإنسان . وقد تتعدد مستويات القصة عند منى الشيمي ، فيبدو الحدث وكأنه عرضي ، عادي ، مألوف ، أو بمعنى أدق عفوي لا يستحق القص ، لكن الصحيح أن بساطة الحدث تشي انطباعًا لدى القارئ بأن هناك بُعْدًا تضمره الساردة ، وهذا البعد لا يتكشف بالقراءة الأولية / السريعة ، وإنما بإعادة القراءة وتجميع الجزئيات المتناثرة في النص ، ومن الجائز قبل النص مثل التصدير أسفل العنوان كما في قصص( عند حافة الدفء ، ومن علمك الأسماء كلها ؟ ، والمفتاح ).
وفي أحيان يصل المستوى الدلالي للقصص لمعنى عميق / فلسفي ، يتطلب من القارئ جهدًا أكبر في القراءة للخروج بالدلالة ، التي قد تتعدد من قارئ إلى آخر ، لكن في النهاية توحد الساردة الرؤية بينهم ، فيخرجون بمعنى واحد إلا أنه متعدد الدلالة – أيضًا- . وفوق هذا وذاك طرق مناطق شائكة في القصة القصيرة ، لم تطأها مجالات الكتابة من قبل ، وبمعالجات تطرح فيها رؤى فلسفية ، مثل ما رأينا في قصتي ” صليل الأساور ، ومن علمك الأسماء كلها ؟” ، حيث في القصة الأولى تطرق أرضية جديدة تخترق فيها المقدس والمحظور ، منطقة القبر وما يحدث فيه ، وإن كان يُعاب عليها – هنا – عدم اتكائها على ثقافة خاصة بهذه المنطقة الشائكة ، تساعدها على الدخول فيها والاقتراب منها ، دون الخوف من حرّاس الثقافة المتزمتين ، ودعاوى السلفية ، ولكن ما يُحْسبُ لها السبق ، والجرأة في الطرح حتى ولو اختلفنا ، معها في عبثية التناول . وبالمثل في القصة الثانية حيث أفضية ميتافيزيقية ، بعيدة عن التناول .
أضف إلى ما سبق رهافة في اللغة ، وانسيابية في السرد ، وعذوبة في اختيار الكلمات المعبرة الدالة، والتي قد تكتسب معنى مغايرًا عن المعني المتداول لها ، فتشعر بأنها أول مرة تقرأ بها ، وهذا ما ساعد على مضاعفة الإحساس بوطأة الواقع وخشونته على الأشخاص .
**** ****
فواقع عصرنا المعقد والمتشابك واللاهث، هو الذي دفع أهل القرية في قصة ( عن الدبساء قالوا ) أن يتناسوا هذه المرأة، رغم حاجاتهم لخدماتها سواء في الأفراح أو الأحزان، لا توجد مناسبة إلا وتكون الدبساء مع أهل الدار، ومع هذا فلم يتذكروها إلا عندما فاحت رائحة الجثة، داخل كهفها البعيد عن القرية؛ معللين هذا النسيان بحجة الانشغال والجري وراء لقمة العيش .. فعندما غابت واختفت عن حضور مجالسهم الفرح أو الحزن، لم يلحظ أحد غيابها .
هكذا حاولت الساردة أن تكشف أحد أمراض العصر التي استشرت حتى في القرى، ألا وهو النفعية، فما دام لا حاجة لهم بها، لا يسألون عنها، لدرجة أنهم لم يلتفتوا، إلى جفاف الزير، وضياع غطاءه بسبب عبث الصبية، وامتلاء الزير بأوراق الكافور اليابس … مع أنها عندما يدعونها تلبي دعوتهم بأسرع مما يتخيلون، حتى أنه ” لم يعرف أحد أبدا كيف تنشق الأرض، وتظهر ” [ ص 21 ] ..
الشيء الوحيد الذي لفت انتباههم هو صدور الرائحة الكريهة من منزلها، في إشارة صريحة ودالة على هذا الواقع البغيض، الذي فرض العفن رائحته على الجميع .
نفس هذا الواقع هو الذي دفع بشخصية قصة ( على وتر مشدود ) ذي الساق العرجاء أن تهرب من مواجهة الآخرين بعجزها .. لتتفادى نظرات الإشفاق والحسرة والأسى وتتحايل لمداراة عجزها، بارتداء أجمل الثياب، والتزين، لتخفي عجز القدم. لكن محاولتها تفشل عندما تهم للذهاب إلى الإدارة لتسليم بعض الأوراق بناءًا على استدعاء الإدارة لها.. تخشى نظرات الآخرين، خاصة الزميلة الغائبة، التي لم تلتق بها عند تسلّمها العمل .. فيضطرب القلم في يدها بسبب الارتباك في مدارات العجز، إلا أنها تفشل وتقع … وتتحول نظرات الإشفاق والأسى إلى مساعدة، حيث هب الجميع لنجدتها .
تظهر هنا فلسفة الساردة لمواجهة الواقع ، فالأسلم هو التعايش مع العجز لا مداراته ، فمهما تحايل الإنسان لمدارة عجزه أيًا كان فلا يستطيع وهذا ما أكدته نهاية القصة .
وفي قصة ” في منتصف النهار ” تتجسد سطوة الواقع وألمه على السارد، الذي يتعرّض لسرقة، ذات ليلة، دون أن يشعر بالسارق، عبر فيض من الأسئلة، التي تتدافع من قبل السارد/الأنا ، دون تحديد لمن يتوجه بها .. هذا الانقسام الحاد الذي يشعر به السارد، يجعل ذاته تنشطر إلى جزأين ذات لا تقبل الاعتراف بالسرقة أساسًا كنوع من عدم الشعور بالانكسار أمام زوجته وابنته وجيرانه ،الذين احتشدوا دون أن يَعْلم من أتى بهم، وأيضًا أمام اللص الذي تحرك في الشقة وسرق ما سرق وعبث بمن عبث كما صورت للسارد خيالاته .
فيجيب على سؤال الضابط بكل ثقة: “لا لم نتعرض للسرقة “، إلا أن اعتراف السارق بالسرقة كما أخبر اللص الضابط، عندما قُبض عليه، وكذلك تأكيد ابنته بسرقة خاتمها … يجعل الذات الأخرى تظهر .. محاولة للبحث عن إجابة لأسئلة تتلاحق وتكاد تعصف بذهنه من قبل:
- كيف تسلل إلى جيب ليلى وسرق أمني ؟! ، أو : كيف لم أفق على وقع خطواته ؟ ،أو ماذا سرق؟ وكيف دخل هذا اللص؟ وكيف تجوّل في البيت ؟!
وفي ظل عجز الذات عن الوصول إلى إجابات لهذه الأسئلة .. تنسلخ هذه الذات عن واقعها بالتصورات الذهنية، التي أشبه بالأحلام، فتتخيل الذات اللص وهو” يعبر من النافذة، متشبثًا بالماسورة، وهو يتحرك كظلام في عتمة الغرفة ” [ ص 78 ] ومثلما لم تقبل الذات السرقة، لم تقبل أيضًا عدم الاستيقاظ عند تسلق اللص النافذة عبر الماسورة فيبرر عجزه عن الاستيقاظ، ، فيتخيل نفسه ” نائمًا مجموعة صغيرة من الأعضاء لم يجمع شملها وقع حركة ” [ ص 79 ].ولمَّا لم يدرك سبب هذه البعثرة لأعضائه، وعدم الشعور، يتخيل اللص يجيبه عن سؤاله : ” لقد رششت سائلاً منومًا قرب أنوفهم ” [ ص 78 ].
لكن هذا الاعتراف التخيلي من قبل اللص، يزلزل السارد، فتلح عليه أسئلة أكثر ضراوة من سابقتها من قبل! هل عبث بزوجتي وابنتي ؟! وفي محاولة البحث عن الحقيقة المطلقة، يقع السارد فريسة لخيالاته التي توشك أن تعصف به ، فتتجسد الإجابة عن الأسئلة في صورة ” حلم يقظة ” تخيلت حركته تمامًا وهو يعبر الردهة، ويدخل غرفة ابنتي، وهو يرش رذاذه قرب أنفها، فتحيل تمثالا يرسم على جمودها رغباته، ربما اقترب من زوجتي عرى غطاءها، ومرر يده على جسدها، ثم بصق على جثتي .. عبر عليها .. ثم رحل .. “ [ ص 80 ]
بعد فيض الأسئلة تصبح الذات في مواجهة مع الحقيقة. إلا أنها تنسحب من المواجهة فبعدما رحل الجميع يهم بالاختلاء بزوجته ليسألها .. تظهر الأسئلة على طرف لسانه .. إلا أنه يعجز عن إيقاف ثرثرتها … وفي الحقيقة فضلت الذات الانسحاب، فالحقيقة التي أراد السارد معرفتها ، أدرك عندما أوشك على الحصول عليها، أنها قاسية، ولن يتقبلها ،خشية الصدمة
على إيقاع البندول
منذ أن تناول يدها وهي صغيرة بضفيرتين عندما انزلقت في سيالة المياه. صرخت فقدم من وسط عيدان الذرة وتناول يدها بكفه وبسحبة واحدة خرجت كقرموط النزة*. الطين يغطيها والمياه تبللها. أجلسها في الشمس وجرى ليحضر جلبابه ويغطيها. فشمّت رائحة فحولته فيه. رائحة لم تتغير قط ، تشمها كلما هم بها. يحبها كثيرا منذ ذاك الحين وتحبه أيضا .. يوم زفافهما لم تشعر بغربة، ولم تدّعِ الخوف كما طلبت منها أمها أن تفعل ، ولم تهرب من قبضته كما اقترحن عليها وهي تملأ آخر جرة مياه من النهر لبيت أبيها قبل أن يعقد القران وتنتقل إلى بيت زوجها . كانت نظراتهما المتبادلة سـهما اخترق قلبيهما وربطه ب
( فستاني الأزرق )
إلى آسيا السخيري *.. صديقتي التونسية الصلبة
إلى كلامها الدافئ
.
سرى وشيش كونيّ بداخلي ففتحت عينيّ ، ثمة صوت رخيم يحدثني ،اتجه بصري للبقعة السوداء التي ظهرت على ظهر يدي في منتصف عامي التاسع والثلاثين ، لم أجدها فاندهشت وأصغيت للصوت فوجدته يخبرني أني عدت أصغر مما أنا عليه الآن بعشرين عاما ..
صمت الصوت تماما فوجدتني منتبهة ، أجول ببصري في الظلمة، ثم قفزت من السرير، أضأت المصباح وواجهت المرآة ، كنت أنا ، لكن قبل عشرين عاما ، بدون تجاعيد رفيعة حول عيني ، خصري ما زال منحوتا ببراعة، ولا بقع سوداء على ظاهر يدي ، حتى الشعر الأبيض الذي نبت كالحلفاء في مفرق شعري اختفى ، هل مازلت أحلم ؟؟ .
سرت على أطراف أصابعي ، فتحت الباب فواجهتني صالة منزلنا القديم ، وأبي يجلس على كرسيه المعتاد في مواجهة نسيم الشرفة ، يحاول أن يقرأ في الجريدة ،وكوب شاي أمامه يتصاعد البخار منه ، نعم أذكر هذا المنظر جيدا ، كنت غاضبة ، أدعي النوم ، بعد أن رفض أبي خطبتي لمن اختاره قلبي منذ يومين ، أقفل الجلسة معه بالوقوف قائلا ، لا يوجد في هذا البيت فتاة للزواج ، خرج محمود دون أن ينطق بكلمة ، وأغلقت باب غرفتي في صمت ولم أخرج منه حتى الآن ، كيف يرفض أبي دون أن يعود إلي ؟؟ أليست حياتي ؟؟ قال أبي قبل مجيئه إن موافقتي ليست شرطا ليقبل ، يجب أن يضع في حسبانه وضعه الاجتماعي ، سيختار لي من هو أكثر تأهيلا منه ، استفزني كلامه وصمت أمي وتواطؤ إخوتي ، نقلت لمحمود ما قاله فأصر على الحضور ، وأصر أبي على الرفض .
التقيت محمود فكان صارما ، أعلمني أنه قرر أن يتجاوز علاقتنا لملمة لكرامته التي قال إنها أهينت ، رغم توقعه النتيجة بالضبط ، ثمة أحداث نتوقعها وعند حدوثها تفاجئنا كما لو كنا لم نتخيل حدوثها ، وربما انتقم من والدي في ذاتي !! واقترح كرد لإهانته – إن رغبت في الاستمرار معه – أن نتـزوج بعيدا عن العائلة .
تسلق كلامه عودي، ودب الجفاف فيّ رويدا ، وزعني كلامه على القلق والحزن والألم ، تقبل فكرة العيش بدونه كانت مستحيلة ، لملمت ملابسي في حقيبة ، وخرجت من باب الشقة على أطراف السكون ، أتلفت يمينا ويسارا ، انفتحت الحقيبة من شدة ارتباكي وتساقطت قطع الملابس فتركتها ، شاهدا على ما سيخمنه الجميع عند انكشاف الأمر ، لم أقدر على الذهاب حيث محمود ينتظرني ، لم أكن على قدر من الجرأة يؤهلني لخوض هذه التجربة ، حولت وجهتي لأذهب إلى صديقة حميمة ، تعيش مع جدتها في شارع مجاور .
طوال يومين وصديقتي تتلو عليّ نصائحها، تؤكد أن الزواج بعيدا عن مؤسسة الأسرة هو الهلاك ذاته ، كيف سيحترمك محمود وهو يعلم أن لا أهل لك خارج باب بيته ، الرجل يستمر بسبب العهد والالتزام مع الأهل وليس بالحب نفسه ، من قال إن كلام العقل يرضي العقل فقط ؟؟ . عدلت عن تنفيذ الفكرة ، وكأن كلامها دفع دماء التراجع في شراييني ، لكني تراجعت ربما لأن شخصيتي تفضل إحساس الانكسار، أخلقه بيدي وأسجن نفسي في حلقته، وكحل يرضيني أعلق على مشجب التعنت الأبوي كل أحزاني .
عدت للبيت ، سبقتني صديقتي وأخبرتهم بوجودي عندها ،حدثتهم عن انهياري ووجوب التعامل معي برأفة ، جمعتُ هدايا محمود وأعطيتها لها واكتفيت بالاحتفاظ بأرواح الهدايا في قلبي ، ولم أنس أن السعادة كانت مدخرة خلف الفعل الصغير الذي لم أقدم عليه ، هكذا طويت صفحة من حياتي ، وجدتها باقية بمجرد رؤية أبي وبخار شاي الفنجان يتصاعد ، صوت أمي وهي تحدثه ، تضع الكوب أمامه وتستفهم عن ظروف العريس الجديد ، صار محمود العريس السابق ، وأنا أقف في فرجة الباب أتنصت ، وأعرف ميعاد مجيئه ، وأستعد لأقول نعم بملء فمي هربا من بيت لم أجد فيه من يفهمني .
عدت للسرير بهدوء ، أمي ستدخل بعد ثوان للغرفة ، وتفاتحني بأمر العريس ، أتذكر هذا جيدا ، لذا بمجرد أن استقر بي الجلوس على السرير دخلت ، وما إن قالت كلامها حتى تذكرت هذا المشهد تماما ، وجهها يستحوذ على انتباهي ، تذكرت أني في الموقف القديم قلت لها موافقة بمجرد انتهاء كلامها ، الآن صمتّ ولم أتفوه بكلمة ، ها هي الأيام تعود ، والطرق مازالت
جلسوا على الأرض ، اتكأ أحدهم على مرفقه ونام آخر على جنبه ،بينما قرفص الباقون فغبرهم تراب الأرض الناعم الرطب ، تراب لم ير الشمس منذ وقت طويل ، تعلقت ذراته بسدَّى جلودهم ولحاه ،كأنهم تماثيل صلصال جاف ، تماثيل تتحرك برتابة ، لا شيء يدفع النشاط في عروقهم ، تركوا لحاهم تنسدل طويلة ومشعثة ، شيء ما مخيف ينثال من مناظرهم ويجعل المرء يهرب من رؤيتهم ، فلو ترك نفسه لأشباحهم تتحرك أمامه لتبخرت روحه في الهواء .
تململ الرجل الوحيد عند الجدار ، منذ وقت طويل لم يشترك مع الباقين في حديث ، يستند بظهره للجدار ويغفو ، فإذا ماسمع وقع قدم ، شخص بصره وتطلع للكوة ، استطالت لحيته وابيضت في كل موضع ، فإذا ابتعدت الأقدام يعود ليصنع من ساقيه هرمين صغيرين ، يسند بينهما رأسه ، ويذهب خياله بعيدا بعيدا ، حزنوا لأجله ، حاول أحدهم أن يخرجه مما هو فيه ، لكن محاولاته باءت بالفشل ، كيف يخرج مما هو فيه وزوجته هناك ، صغيرة وجميلة ، يتمناها نصف رجال القرية في صمت ، ويحوم حولها النصف الآخر ، والصغير يتيم ، لا يجد من يتكفل به .
سمعوا أصوات أقدام تدق الأرض في الأعالي ، فتذكر كل منهم المكان بأعلى ، قال أحدهم إنه أول من دخل هذا المكان ، لم يسبقه أحد ، وظل سنة كاملة قبل أن يأتي الوافد الثاني ، قال إنه عانى كثيرا قبل أن تعتاد أنفه رائحة المكان ، وتحدث عن الأشباح التي ظهرت له ، فكان يموت في الليلة عشرات المر
على وتر مشدود
اضطرب القلم في يدي فخرج شكل الكلمة مغايرا تماما، حينما سمعتهم يقولون إن إجازتها ستنتهي وستعود للعمل اليوم، صاحبة المكتب الفارغ، وهي كعادتها تعود من الإجازة تجر أذيال الكسل، ولا تعفي يوم عودتها من تأخيرها المعتاد، كنت موظفة جديدة هنا، اعتقدت أني تعرفت على الجميع وانتهى الأمر، لكني اكتشفت أن دورة كامــلة مازالت باقية، وعلي أن أسير الطريق مجددا من أوله، لم أربط بين المكتـب الخالي وموظفة غائبة، أصابني الوجـوم وشعرت بحرارة الطقس ..
حرصت على شراء ملابس أنيقة، لونت شعري ونثرت بداخله خصلات بلون مغاير، ارتديت عقد اللؤلؤ؛ أعطته لي أمي وقالت هدية زواجك، لن أنتظر زواجا قد لا يجيء لألبسه، لكني لم أقدر أبدا على الحفاظ على حركتي متناسقة، كلما خطوت بساقي اليمنى ظهر العرج، وذكرني بضرورة سند ساقي اليمنى بيدي ..
كلما وجدت في مكان ، أجدهم يتمتمون، لا أسمع الكلمة، لكني حفظت شكل الشفاه وهي ترددها، مط الشفتين، ثم انفراجة الفم ليطل اللسان وهو يصعد لسقف الفم ويهبط، كنت أجد نفسي أقول الكلمة أحيانا ، نيابة عنهم ، دون أن أحرك شفتي ..
لم أعرف إن كان دخولها الحجرة أنهى تفكيري أم كثفه، دخلت بغارة تهليل، عبرت عن افتقادها لهن بسيل من القبلات المتبادلة، والضحكات، طافت عليهن كأنها تطوف بصينية حلوى بين مدعوين، وقفت أمامي فقدمتني زميلة لها، جلست ترحب بي وتحكي قصة طويلة عن أسباب إجازتها ، كيف قضتها ، وكيف شعرت بالملل في النهاية ..
لم أفهم نصف كلامها، عاملتني كما لو كنت صديقة حميمة، روت نهايات حكايات، كأني على دراية ببداياتها، قهقهت الأخريات وقلن
فر ضوء القمر الذي افترش السرير ، بمجرد أن ضغط زوجي على زر النور ، عدت بزورق الحلم إلى بر الواقع ، سحبت شهيقا ، وحبست أنفاسي لكنها تسربت ببطء وتقطع .
منذ أن كف عن إبداء معرفته بادعائي النوم ، دخلت علاقتنا مرحلة جديدة ، أشهرت زيفي في مواجهة زيفه ، ادعيت النوم دوما عند عودته من حلقات سمر أصدقائه ، صدقَّ نومي الكاذب ، صار يقضي الأمسية وحيدا في صالة المنزل ، وأقضي أمسيتي أتلصص على تجاهله لي ، أتجرع كأس التجاهل ، وأظل طيلة الليل ثملة بحزني ، وفي أفضل حالات حزني أتشرنق بحلم قديم ، حلم يراودني في يقظتي ولا أراه في نومي ، أتوغل في غابة كثيفة ، استوائية الروائح ، رجل أجد لرأسي مكانًا على صدره ، ينتظرني هناك بشوق ، تنبسط الأرض أمامنا لرحلة أسطورية ، وتطوى بعد عبورنا كي لا يلحقنا أحد .
قالت صديقتي : أولادي هم من يربطونني بهذا الرجل . وقالت أخرى : تحولت إلى آلة تتحرك . وواجهت تصريحاتهما بالصمت ، وابتسامة بلهاء لا تُظهر سوى صف أسناني الأعلى .
- ما الذي يربطني بك يا رجل ؟؟.
ألقيت السؤال على نفسي ، لم تنفرج شفتاي عن ابتسامة كما أفعل بين الزملاء ، تهربا من إجابة ، دوما ما أقابل المواقف العصية ببسمة بلهاء ، نلتقي على الغداء ، تناديني دوما بقولك : ” يا هانم “، يصطف الأبناء حول الطاولة ، نتحدث لغة اصطكاك الملاعق بالصحون ، منذ متى لم أسمع اسمي مجردا ؟؟ لا أرى منك سوى يدك وهى تملأ الملعقة بالطعام ، لا أتابعها حتى تصل إلى فمك ، تظل نظرتي عند حد صدرك ، لو تتبعت الملعقة ربما التقت نظرتنا ، هل تنظر لي أحيانا ؟؟ يا رجل اختزل أملي في رغبتى سماع اسمي . آه الطعام محايد المذاق ، ودموعي تغلف مقلتي ، فتهتز قطع الأثاث أمامي وتتداخل الرؤى ، تسقط نظرتي عنك ، أتشاغل بالأولاد عنك وعن ملعقتك وعن صمتك ، تلفني دوائر الأطباق ، الرغوة وهي تبتلع الصحون في فجوة الحوض ، صوت الأولاد وهم يعدون واجباتهم المدرسية ، وفيلم قديم يحكي نفس القصة تقريبا ، نصائح أمي التي حاولت أن تتلوها عليّ بالفصحى ، صوت بكائي الليلة الفائتة ، وصوت شخيرك يعلو في غفوة القيلولة .
- 2 -
أشعر أني قابلتك من قبل !! بطل من ورق فى أحد الكتب بمكتبتي ، ربما غطاه غبار نسـياني الآن لكني حتما سأذكر أين قابلتك للمرة الأولى !!
في لحظة ما تشككت : هل قابلتك حقا ؟! ، هل عبرت حياتي واجتزتني كجسر؛ للوصول إلى ثقة إضافية ، دعني أبدأ معك منذ الحروف الأولى لعلاقتنا ، ولا أعرف هل أستعذب عذابي بدونك ؟! هل تفتقد سعادتك بلقائي ؟؟ .
سحابة الملل لا تمطر إلا ضجرا ، جلست إلى الكمبيوتر ، واستخدمت نافذة الدردشة ، ظهرت بغتة ، كنت قابعا في عالمك الافتراضي ، ربما عانيت ما أعانيه الليلة تماما ، افتعلنا الدهشة بهذا الكائن الخرافى المسمى الإنترنت ، ومدى مقدرته على مجابهة الوحدة ، لقاؤنا صدفة ، وربما ادعيت مثلي أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها نوافذ الشات ، والمرة الأولى التي تجرؤ فيها على الحديث مع أنثى ، لا يهم امرأة مثلي أن تصرح بأنها المرة الأولى ، لقد قابلت مئات الرجال ، في كل كتاب كنت أجدهم ، ومع كل رجل – يشعلني -كنت أمارس الخيال دونما ندم ، لذا بدأت قصتي معك بسؤالي :
- أأنت الذي أنتظره منذ زمن ؟؟
لم تجب ، وكانت فرصتي الذهب



هذه هي الحياة أنك تتنازل عن متعك
الواحدة بعد الأخرى حتى لا يبقي منها شيء وعندئذ تعلم أنه قد حان وقت الرحيل.
نجيب محفوظ











