Yahoo!

النص الغائب

كتبهامنى الشيمي( صفصافة ) ، في 26 سبتمبر 2009 الساعة: 09:32 ص

 

الـنص الغائـب
 
 
 
 
 
تجمعت الريح في مكان بعيدِ خلف الأسوار، تشبه في تقدمها شالا حريريا رماديا طويلا، عبرت بين فروع أشجار المانجا بخفة، وتقدمت صوب شرفات البيت المفتوحة، الستائر تهفهف يمينا ويسارا فتلاعب الضوءَ الشحيحَ، تعربد الريح بين الأثاث المنثور هنا وهناك، تصافح جدرانًا صامتة، تدور في الفراغ المتاح وتخرج من منافذ أخرى.. دخلتُ فوجدته يشهق شهقات متوالية، وينظر بفزع صوب باب الغرفة، التقت نظرتي بنظرته، وأنا أهرع صوبه، وقبل أن يقول كلمة واحدة، سقطت يده جواره وهمد جسمه تماما..
 
اقتربت منه رويدا، ألصقت أذني بصدره فلم أسمع صوتا، ورويدا دبت البرودة في جسده الهامد المسجى، جلست على حافة السرير، مازالت نظرته شاخصة إلى الباب، حيث توقعه دخولي.. هل رحلت هكذا بسهولة؟. قتلتك عشر مرات من قبل، كلما ضاقت على أيامي أمسكت بالورقة والقلم وابتكرت لك ميتة تليق بما تفعله معي..
 
***
 
 
هل تذكر يوم أن تركتني أبيت بمفردي في هذا البيت المنعزل، كنت حاملا بطفلنا الأول، وذهبت لقضاء أسبوع في قرية سياحية مواجهة للبحر في أحد المصايف، وكذبت وقتها قائلا:
 "العمل يقتضي مني السفر إلى لمراجعة الفرع الرئيسي ".
 لم تعرف أبدا أن المرأة التي رافقتك ظلت تتصل بي دون أن تحس وتسمعني كلماتك الفاجرة التي تقولها لها، لم أحزن ولم أشعر بالغيرة، كنت أحتاج إلى مبرر لأبدأ نزواتي مثلك وقد وفرته لي بسهولة، أمسكت بالقلم و قتلتك شر قتله؛ كيف دبرت لك هذه الميتة الرائعة؟. لا تسألني. لقد انثالت عباراتي على الورق وحدها.. وهكذا وجدتني أكتب..
" كنت عائدا معها في ليلة حالكة، بعد أن قضيت أسبوعا معها غارقا في العسل، الطريق طويل والحر خانق، قررت طي الطريق بالعبور من طريق مختصر وغير مطروق، تعرفه من رحلات سابقة، هكذا رسمت لك متاهة في الصحراء، صورتها لك كحل لا يصل إليه عقل الكثيرين، وعندما أوغلت في المتاهة ودرت ولففت بحثاً عن الطريق الصحيح، في هذا المأزق اكتشفت أنك ظلمتني، وأني كنت طوال الفترة الماضية مصدر سعادتك، وأن هذه المرأة ليست سوى عاهرة، قبلت السفر مع رجل غريب وفعلت معه كل الرذائل، لكن الطريق الرئيسي كان بعيدا جدا"..
 
      ونشرت القصة على الإنترنت وأعجبت القراء، على الرغم من وجود بعض الثغرات بها، أرسل إلي أحدهم على "الإيميل" قائلا:" وهل ضاع "الموبايل" الخاص به و "موبايل" المرأة التي رافقته لتبتلعهما الصحراء؟".
 
لم أرد على "إيميله"
لا توجد قصة كاملة يا صديقي..
القصص أحيانا كفن ندثر بها من جرحونا..
 
      هكذا.. قتلتك كثيرا، وكلما انتهيت من قتلك ورفعت القلم عن الأوراق يحزنني ظهورك مجددا، فأعيد قتلك – في قصة أخرى – من جديد.
 
 
***
 
      لا أصدق أن موتك جاء سهلا هكذا، بعد أن لازمت السرير منذ يومين لأنفلونزا ألمت بك، ولم تذهب إلى العمل، أعدُ لك كوب الليمون الساخن كل ساعتين، أضعه بجوارك وأعود إلى صالة المنزل دون كلمة، لمشاهدة التليفزيون، أقهقه إذا شاهدت فيلماً كوميديا، أو أخرج لممارسة الرياضة في قاعة الجامنزيم ، لا تستبقيني بكلمة أو بنظرة، تباعدت بيننا المسافات، ربما لا تعرف بخياناتي المتكررة لك.
متى كانت أول خيانة؟..
لم أعد أذكر..
ربما كانت مع الرجل الذي عرفته عند سلم الطائرة..
ولفني عطره بدوار وخدر لذيذين..
 
كان ذاهباً إلى نفس الدورة التدريبية التي تم اختياري إليها، هذا ما عرفته فيما بعد، طلب من الجالس بجواري أن يغير الأماكن، وانتقل إلى جانبي بعفوية من ينتقل إلى جوار زوجته، لم أحدثه واكتفيت بالبقاء في مهب نسيم عطره الأخاذ، عندما بادرني بالحوار قائلا:
-         "دانهيل".. من أشهر العطور الرجالية
أبديت غباء، كيف استشف إعجابي بعطره؟ وما هذه الثقة الزائدة التي يتحدث بها؟. رأسي استدار ليواجه النافذة، لكنه بادرني قائلا:
-         عليك بالنظر إلى الداخل، يوجد من يستحق- هنا- أن تنظري إليه!
      تركت حديثه ينساب بيننا رقراقا، خاصة بعد أن عرفت أنه رفيق الرحلة التي ستمتد أسبوعا، في بلد أوروبي لا يضع تصرفات الغرباء تحت المجهر، تمنعت في البداية، لكن التمنع - كما قال – باب موارب احتمال فتحه أكبر من احتمال إغلاقه..
 
 كنت كلما عرفت رجلا كتبت قصة تخونني أنت فيها، أشعر براحة عند الانتهاء، أحيانا أنسى خيانتي وأتطهر بهذه الكتابة، تقرأها مثل أي قارئ وتندهش، لماذا تخصصت في الكتابة عن خيانة الرجل للمرأة؟، ربما لأن وراء كل امرأة خائنة رجلا متجاهلا لأنوثتها..
 
      أذكر القصة التي كتبتها عنك لتوازي علاقتي بهذا الرجل، رسمت ملامح الرجل قريبة الشبه بملامحك جدا، رجل طويل له شارب مرسوم بدقة فوق شفتيه، لكنه يستخدم "دانهيل" للتعبير عن ثقته بنفسه، غافل زوجته وقضى أسبوعا على ساحل البحر مع امرأة أخرى، اعترف لها بفعلته عندما قررا – في لحظة صدق أو طيش- أن يتخففا من الأحمال التي كبلت علاقتهما، باعتراف كل منهما إلى الآخر بما فعله، جرته إلى الفخ بحنكة صياد محترف، ولم تقل له حرفا من أسرارها، واعترف بكل ما حدث معه، ظنا منه أن الاعتراف كاف لتغفر له زوجته، لكنها استغلت هذه القصة لترسم علاقتها القادمة به..
 
هكذا وضعتك في حيرة، كلما قرأت سطرا في القصة اشتدت حيرتك، وتساءلت بينك وبين نفسك:أأنا الرجل الذي في قصتها؟ هل عرفتْ بقصة المرأة الأخرى؟ أم كان خيالها القصصي خصبا؟ وهل عرفتْ باقي خياناتي؟..
 
الأمر الذي دفعك إلى الاعتراف لي بكل ما فعلت..
معتقدا أنه ذكاء منك..
وأني سأغفر..
 
ولما نشرت القصة وصلتني رسالة من نفس القارئ السابق:
-         هذه القصة تشبه قصتك السابقة..
أجبته هذه المرة قائلة :
-     " كل صورة في الأدب مهما تراءت لنا على أنها جديدةٌ و مبتكرةٌ، لاتعدو كونها تكرارا لصورة مركزيةٍ مع بعض الانزياح الذي يخلق تفرد العمل واختلافه بلومنطقه الداخلي الخاص*. هناك دوما"النص الغائب" الذي نقتبس منه باقي النصوص..أنت لا تعرف نصي الغائب..
 
***
       تتلاشى أوهامي في بعض الليالي، أتعذب بإدراكي مساحة الصدق ومساحة الخيال في القصة، ولا يؤثر التطهر بالكتابة على الإحساس بجرمي، لكنه وقت محدود فقط، أعود بعده إلى ما اعتدت فعله.. وهكذا كتبت قصصي الكثيرة..
قصصي الكثيرة جدا..
لن أقف عاجزة أمام موتك كهذا بسهولة..
كيف سأكتب عنك القصة الأخيرة؟ ..
 
      أحضرت الأوراق والقلم، وشرعت في الكتابة، وجسدك مسجى على السرير شاهدا على حيرتي، لماذا تحيرني حتى بعد رحيلك؟ علىّ إيجاد البداية، وستنساب باقي الأحداث..
ولتكن البداية هكذا
دخلت.. فوجدته يشهق شهقته الأخيرة، بعد أن قضى يومين في سرير المرض، مصابا بالأنفلونزا..
لا .. لا يجب أن تكون القصة هكذا..
علىّ كتابتها والحدث ساخن..
 قبل رفع سماعة الهاتف وإبلاغ الأهل برحيلك..
قبل أن أختار ثوبًا أسود يليق بالحدث..
سأبدأ من جديد..
 
تجمعت الريح في مكان بعيدِ خلف الأسوار، تشبه في تقدمها شالا حريريا رماديا طويلا، عبرت بين فروع أشجار المانجا بخفة..
 
بداية موفقة تليق بقصة..
 
     ولأنه مصاب بالربو، كان يجب أن يحترس من التعرض لاستنشاق حبوب اللقاح التي تنتشر في الهواء بداية الربيع..لكنه الحظ الذي كال لي بسخاء هذه المرة، بدأت الأزمة مع غروب أول أمس، واشتدت مع فجر هذا اليوم..
 
علىّ أن أنسج صلب القصة بعد هذه الدخلة..
 
      أخفيت عبوة الرش التي تخفف كثيرا من حدة الأزمة، ادعيت أنها فارغة وأن الخادمة ألقتها في سلة المهملات منذ فترة..وان الليل موغل ، و… ، و….
 
هكذا أقنعته بأن الدواء غير موجود..
الحزن الشديد يزيد من حدة الأزمة!!.
هكذا قرأت مرة..
لأكمل القصة إذن..
 
      جلست بجانبه، واجهته بما أشعر تجاهه، ومتى انتهى حبي له، أو ما حاولت أن أوهم نفسي بأنه حب، ربما انتهى حبي قبل أول خيانة، بدأ سعاله يشتد، مصحوبا بمخاط كثير، يسيل من زاويتي فمه، عددت له خياناتي، الرجل الذي عرفته عند سلم الطائرة، وصديقه الذي كلفه بتزويدنا بكل ما نحتاج أثناء غيابه، ارتعش جسمه وحاول أن يمد يده إلى رقبتي، رغبة في خنقي، فزدت؛ رويت له عدة خيانات أخرى لم أفعلها في الواقع، لكنها مجرد خيانات ذهنية مع رجال أختلقهم قلمي، لكني شعرت أني قمت بها من كثرة تخيلها..كنت أرى ملامح وجهي وأنا أحدثه، ونظرة عيني، وضحكت، ضحكت بهستيرية..
      كان وجهه مخيفا.. تخشب كل إصبع من أصابعه كخطاف، وجحظت عيناه ونفرت عروقه.. وتركته.. تركته يواجه أزمته بمفرده، وأغلقت باب الغرفة بعد أن قطعت سلك الهاتف الأرضي، وحملت هاتفه المحمول معي، وخرجت إلى الشرفة لأقف في وضع النجمة..
 
واجهت الشمال بجسمي منتصبا..
وفردت ذراعي خارج جسمي ..
 مشكلة بهما خطا مستقيما
وباعدت ما بين ساقي..
أغمضت عيني..وأخذت شهيقا كبيرا..
وحلقت في خيالاتي*
 
دخلتُ فوجدته يشهق شهقات متوالية، وينظر بفزع صوب باب الغرفة، التقت نظرتي بنظرته، وأنا أهرع صوبه، وقبل أن يقول كلمة واحدة، سقطت يده جواره وهمد جسمه تماما ..( انتهت)
 
     وجدتها قصة مقبولة، جريمة محكمة وموت أبيض ، لن يثبت أحد أن اعترافاتي سببٌ في موته، وسيليق الأسود بحزني عليه في المأتم..
***
دسست الأوراق في رف الدولاب العلوي خلف الملابس، وضوء الفجر يطوي الليل في السماء، ألقيت نظرتي عليه، تجمدت عيناه على النظرة المفزعة، سحبت الملاءة لتغطي وجهه، واتجهت إلى الغرفة الأخرى لأوقظ الأولاد..
 
ـــــــــــــــــــــــــــ
·       الانزياح" (L’écart)- كما أسماه نورثروب فراي - عن الحكاية الأولية التي هي الأساسللعمل وبنيته.
·       أحد تمارين اليوجا لتهدئة الأعصاب.
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “النص الغائب”

  1. عيد أضحى سعيد.. أعاده الله عليكم بالخير و اليمن و البركات

  2. رفقا بالورقة فالورقة تشعر وتبض أتعلمين فى بعض الأحيان أشعر أنى أعذب الورقة معى

  3. سعدت بزيازتي لمدونتك
    اتمنى لك التوفيق

    تشرفني زيارتك لمدونتي
    يوسف الحر

  4. استمتعت بزيارتي هنا..تحية



اكتب تعليــقك



هذه هي الحياة أنك تتنازل عن متعك

الواحدة بعد الأخرى حتى لا يبقي منها شيء وعندئذ تعلم أنه قد حان وقت الرحيل.

نجيب محفوظ